محمد بن جرير الطبري
497
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الا انه لا روح فيه ، فعمدت اليه حين صنعوه لها فازرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس ، مثل ما كان يكون فيه من هيئة ، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ويسجدن له ، كما كانت تصنع به في ملكه ، وتروح كل عشيه بمثل ذلك ، لا يعلم سليمان بشيء من ذلك أربعين صباحا ، وبلغ ذلك آصف بن برخيا - وكان صديقا ، وكان لا يرد عن أبواب سليمان اى ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل ، حاضرا كان سليمان أو غائبا - فأتاه فقال : يا نبي الله ، كبرت سنى ، ودق عظمى ، ونفد عمرى ، وقد حان منى ذهاب ! وقد أحببت ان أقوم مقاما قبل الموت اذكر فيه من مضى من أنبياء الله ، واثنى عليهم بعلمي فيهم ، واعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم ، فقال : افعل ، فجمع له سليمان الناس ، فقام فيهم خطيبا ، فذكر من مضى من أنبياء الله ، فاثنى على كل نبي بما فيه ، وذكر ما فضله الله به ، حتى انتهى إلى سليمان وذكره ، فقال : ما كان أحملك في صغرك ، واورعك في صغرك ، وأفضلك في صغرك ، واحكم امرك في صغرك ، وابعدك من كل ما يكره في صغرك ! ثم انصرف فوجد سليمان في نفسه حتى ملاه غضبا ، فلما دخل سليمان داره ارسل اليه ، فقال : يا آصف ، ذكرت من مضى من أنبياء الله فاثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم ، وعلى كل حال من امرهم ، فلما ذكرتني جعلت تثنى على بخير في صغرى ، وسكت عما سوى ذلك من امرى في كبرى ، فما الذي أحدثت في آخر امرى ؟ قال : ان غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امراه ، فقال : في دارى ! فقال : في دارك ، قال : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ! لقد عرفت انك ما قلت الا عن شيء بلغك ، ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم ، وعاقب تلك المرأة وولائدها ، ثم امر بثياب الطهره فاتى بها ، وهي ثياب لا يغزلها الا الابكار ، ولا ينسجها الا